.
.....قَصَدَ الرجل الأعمى دار أخيه وقال: من لي إذا ما دار الزمان عليَّ ، من لي إذا ما أنهكتني الديون ، كان يردد تلك العبارات والعبرات أبلغ بيانٍ ولسان، كان لشدة بؤسه يُبكي البكاء، كان كمن يرثي ابناً قد جاءه بعد انتظار، وكانت تحيطه ذبابتين تجولان حول وجهه بعبثٍ رتيب وجهه الذي أكله الجوع وارتوى منه الظمأ ، لم تثنياه عن مواصلة بثه للحزن بنفس النبرة الحزينة التي كان يزفرها بإجادةٍ حادٍ، كان يريد بتلك العبارات تحريض شهامة صاحب الدار واستنهاضها، علّه يعطي للأخوة قدرها بأن يجود عليه ببعض مما لديه من فضل مالٍ يعتاش عليه ، لأيام ..فقط لأيام ، فالجوع لا يأبه بالعفّة والفقر صعبٌ أن يستر ،لم يرد إلا الكفاف ، لا يبغي إلا الشبع، الغريب بأنّا نرى بأن أكثر العابدين للثروة هم أشهر لاعنيها ، والأغرب بأنا نجدهم كلما ازدادوا غنا زادوها في اللعن ، كانت تلك الخواطر هي المجيب الوحيد لطرقات الأعمى ، كانت بصيرته ثاقبة كالعلماء وكان كالبوصلة يعرف الاتجاهات دائماً في تيكم الطرقات دون عصى مرشدة أو صديقٍ راشد ، هو لم يفارقها أصلاً ، أو بالأحرى لم يكن قادراً على مفارقتها، فكل مالٍ يأتيه لا يكفيه..إلا لوجبةٍ أو وجبتين يأكلها ويحمد الله على ما آتاه من رزقه، كالصدأ بدأ اليأس بنخر صدره والصبر، فما لبث إلا قليلاً ثم ألقى بجسده القديم على آعتاب الدار المشفقة رغم صلابتها، كان كمن يقنع نفسه بأن الآمر فيه سوءُ ظن وبأن أهل الدار بالخارج ..سيعودون .. مؤكداً سيعودون وسيهبوا لنصرته على طاغوت الفقر (هكذا يقول لنفسه) متجاهلاً هزو البصيرة التي ذكرته بصوت الأطفال منذ قليل وهم يلعبون في صحن الدار، وبأن عدم فتحهم للباب دليل تجاهلهم ، أطرق رأسه نحو ثيابه، تلك التي اسودت بعد بياض ، ككل أشياء الفقراء، ظل في إطراقه وكأنه يتأملها بعينيه التي تجولان دون هدى والتي كان شكلها مرعباً ، لكنهن عيون على كل حال لا تقوى على قهر الكرى، فقد غط في نومٍ عميق متحدياً هدير السيارات أمامه ولهيب الشمس أعلاه، ليصحوا بعد سويعة على صوت أذان الظهر وقد وجد بجانبه صحنٌ صغير به بعض بقايا الطعام الذي لا يكفي كلب ، التهمه بسرعة وقد أضفى الأذان للموقف هالةً عجيبة كان كطفلٍ يصوم لأول مرة أو قطٍ متشرّدٍ قد وقع أخيراً على قمامة جزار، أنهى بقايا الطعام ليقوم منادياً من جديد :لست الجائع الوحيد ،لست الجائع الوحيد لدي عيال (قالها بأعلى صوته) ثم استطرد بصوتٍ منخفض كئيب:آتوني بفضل مالكم يا بشر لأطعم العيال ، لا أعظم من الأب إلا أبٌ أعمى، كانت هذه الكلمات هو كل ما يتردد في نفس الفتاة العشرينية التي ترمقه بأسى عبر نافذتها المتهشمة والتي تطل على رأس البؤس أدناه كان رأسه يتهادى يمنةً ويسره كذؤابة شمعة وقد كان فعلاً كذلك، كانت فقيرةً هي الأخرى، لم تكُ بأحسن حالٍ منه، سقطت على طرف النافذه من عينيها عَبرَة، كتوقيع حضور قبل أن تهم بإغلاقها على عجل وذلك بعد أن أخذت جرعةً تواسي جوعها وشربةً هنيئةً من مواساة القدر.
بالغ في طرقه هذه المرة أكثر من ذي قبل كأنه نزيلٌ خطأ في ثلاجة موتى، ليقنع فتات كرامته أنهم ربما لم يسمعوه والنشيج ينافس رجع الطرق علوّا ومامن مجيب ، فجأة! فتح الباب الكبير طفلٌ صغير وقال بصوتٍ أنثوي بريء أبي يخبرك بأنه غير موجود.
................................................................................................... فواز عبدالعزيز 03/12/2007هـ
_________________
..
الكون كله لابد أن يعي أن الكتابة ليست مهنة من لا مهنة له ، أو بأنها أوانٍ فاخرة مصفصفة في متحف ورقة الكتابة التاريخ وتقريرٌ بالموت والحياة وبداية المهن ونهاية المحن ولوحات المتاحف وخشبة المسرح والديوان!
..