
إنسان خمّرته الدموع فتركته بقايا إنسان ، كالخرقة البالية ملقى على الهم، نزيلٌ جبري لزنزانةٍ صغيرة هو وهمّه الكبير ، خالدٌ إسمه لكنه للفناء أقرب ،أقصى أمانيه بأن يمضي كل شيءٍ على وجه السرعة وبالشكل المطلوب هو في قبرٍ لحي سيغادره بعد أيام لآخر في حجمه لميت، فهو محكومٌ بالإعدام لجريمة قتل ، لكنه متشبث بطوق الأمل في لجة طوفان اليأس،الموت يطلبه والموج يسأله أين السبيل؟ وكوابيس اليقظة والكرى تطاردك صبح مساء؟ والصبر يطردك ! ساعات، نقضيها مع الصحب والخلّان وهو بجحيمه رازحٌ في كل آن ، والآن وموعد الزيارة الأخيرة اقترب وببطئ يمضي وقته لا يقطّعه إلا الكدر ، هو لا يعلم أمن المفترض أن يستعجلها أم يستبطئها فهي وبالرغم من كونها زيارة إلا أنها الأخيرة، كالحلقة الأخيرة نريدها لا نريدها ، رحمه مدير السجن فزاد من وقت الزيارة وجعلها بغرفةٍ مستقلة كمواساةٍ وعزاءٍ له ولذويه هاهوذا يغادر قبره وصرير القيد ظلٌ في العتمة يتبعه ، قاصدا غرفة الانتظار حيث ذويه، هذه أمه تبكي وأخته مكروبة تحضنها وتذكر الله ، وزوجه المسكينة تقلب بصرها دامعة وأكبر بنيه قائمٌ على قدميه مسنداً الجدار ظهره وإحدى قدميه بشموخٍ مصطنع، دخل خالد بصحبة الحرس وقبل أن يحرروه من قيوده هرول صوب أمه كطفل مهزوم، لكن قسوة القيود أبطأت خطاه ، سألهم عن حالهم فأجابوه ببؤس الحمد لله وأعادوا السؤال عليه بلهفةٍ فلم يزد على أن أومأ برأسه بأسى ، أخبره الإبن بأن أعمامه يسلمون عليه ويقولون فليكن أملك بالله عظيما فالأمور بدأت تنفرج وذوي القتيل قد لانوا بعض الشيء فلم يزد خالد أن ابتسم بحزن ، هو لا ينكر بأن أصابع الأمل لازالت تدغدغه لكنه كذلك يؤمن بقدر الله وبأن الموت حق وبأنه لا مفر من المحتوم، لا يلام فلا أصعب من الموت سوى انتظاره ، وقبل أن ينتهي وقت الزيارة أخذ يوصيهم بما للناس عنده من حقوق ، ثم قام لهم مودعاً بأحضانٍ خائرةٍ القوى ، وقُبَلٍ لا حصر لها ثم مضى لقبره تارةً أخرى، جلس من جديد في نفس الجهة التي قد قام عنها قبل قليل ، تقتله نظرة الحراس المشفقة وتعاملهم الخاص يجرح كبرياءه، هو يعلم أنه سيموت لكنه يريد أن يفقد الموت نشوة الترقب ، أخذت ذاكرته البائسة تريه ما قد جرى بينه وبين ذويه بحزنٍ تُفَاخِرُ به الحزن ، وقد أشرق وجهه حين تذكر كلمات ابنه التي زادت من جذوة أمله ، قد يعفو أهل الدم إذن ، ثم قال لنفسه بصوتٍ مسموع:إيــهٍ يا خالد هل مازال لديك أمل؟ أبعد كل هذي السنين مازلت ترتقب العفو ثم أخرج من صدره زفرة جحيم تلتها إغماضة أسى.
نام فرأى في نومه حمامة زرقاء تتقلب متعذبةً في نهر دم تهم بالطيران وتعجز عنه وفجأة تحول لونها إلى الأصفر وطارت في سلام ، أفاق من حلمه ذاك مستبشراً بما رأى فقد أوّل بأنه هو الحمامة الزرقاءونهر الدم خطاياه ومصائبه التي يعجز عنها فراراً وانقلابها للأصفر وطيرانها بحريته المأمولة التي ينتظر بفارغ الصبر، قام يصلي ويشكر الله على هذه الرؤيا التي أثلجت صدره.
السلام عليكم .. قالها الحارس مؤذناً بوصول الطعام ليخرج خالد يده كعادته من الفتحة وهو يرد سلامه بتململ وأمسك بالصحن ، وأخذ يتناول وجبته ببطئ والتي كانت مكونة من حساءٍ بارد ورغيف يتيم، وفجأة شعر بجسم غريب وصلب في قعر إناء الحساء فأخرجه بتأنّي وأخذ بتنظيفه بملابسه المهلهلة ، ما هذا ؟ سأل خالدٌ نفسه..فوجده كيس أسود يحوي جسماً صلباً بحجم علبة الثقاب فتح الكيس بأسنانه فوجد بداخله ورقة كبيرة مطويّةٌ بإحكامٍ، فتحها وبدأ يقرأها بحماسةٍ شديدة
.
.
أخي خالد
صدقني نحن نشعر بآلامك العظيمة وصبرك المرير
ونعتذر إليك لعدم قدرتنا على المجيء بالزيارة الماضية
وذلك لارتباطنا بموعدٍ مع أحد المسؤولين علَّ شفاعتهم
تأتينا بالعفو وأهنئك بأن جهودنا بدأت تثمر وقد وعدونا خيراً ..
أخوك أحمد
.
.
أغلق خالد الرسالة وأخذ يضحك ويبكي بتناغمٌ غريب فالفرح قد انبلج فجره أخيراً بانفراج الغمّة لكن وجهه مازال مطلياً ببؤس الليل ، قام يصلي صلاة شكر لله على أن جاءت أولى بشائر تحقق الرؤيا وبأن البلاء في انجلاء.
غداً موعد الإعدام ولم يحصل شيء للآن ، حتى الرسالة التي جاءته لم يحصل على أختٍ لها ، انقطعت عنه أخبار الدنيا وأصبح في الأعراف لا يعلم أيذهب به إلى جحيم الردى أم في جنة المأوى حرّيته ، ملّه الحراس لكثرة ما سألهم عمّا إذا كان هنالك من سأل عنه أو اتصل أو أرسل برسالة أو جاء بعفو أو حتى بأمر إعدام ، مسكينٌ أنت يا خالد يا سجين الوسواس والقهر لا تعلم أفي أحضان زوجك ستنام غداً أم بأحضان الثرى ، هل سيمر الهواء برئتيك بعد اليوم أم سيفارقك أبدا ، واستمر يسأل نفسه :
ترى ما شكل السياف وهل سأراه أصلاً ؟أم أن العصابة ستحول بيني وبين صورته ؟
(هنا أنفاسه بدأت بالتسارع)
هل سأشعر بحدِّ السيف ، أم أنني سأرحل مباشرة كصحوةٍ مفاجئة من كابوس عقيم ؟
(وأخذ يتحسس رقبته)
هل سيخدروني قبل الإعدام؟ أم سيذهب بي كذبيحة العيد لا ألوي على شيء!
هل سيعفون عني باللحظة الأخيرة أم أنهم سيكبرون لموتي تكبيراً كثيرا..
هل سأتشهد أم أنني سأنسى الله والشهادتين وأكفر بكل شيء ؟
(وبدأ يلهث كالطريد وعيناه تتقلبان يمنةً ويسرة في الظلام)
وبعد أن بلغ الوسواس منه مبلغه دخل في نوبة بكاءٍ هستيرية وأخذ يتبول على نفسه كطفلٍ محموم ويضرب رأسه بجدران محبسه ، دخل الحراس مسرعين ليستأذنوا الضابط عبر اللا سلكي لأخذه لطبيب السجن ، وقد أذن لهم مباشرة ، أخذوه هناك عند الطبيب والذي جاء ببرود عجيب بحقنةٍ مهدئة تنسيه مافيه ، وتدخله بسباتٍ عميق.. وفعلاً قد نام كالعروس بعد أخذه للحقنة وبعد أن أخذ هذيانه أن "أميتوني..أميتوني..أميتوني" بالتباطؤ.
ولأن عيادة السجن لا سرير بها ، فقد تمت إعادة المسكين لزنزانته ولرحمة الحراس بحاله وعجزهم عن تقديم أي شيء له جاؤوه بسريرهم الذي كانوا يتناوبون على النوم عليه خلسةً ليرتاح عليه في الليلة الأخيرة من عمره..
جاء أحمد في اليوم التالي حاملاً وريقاتٍ مطويّاتٍ بيمينه ليدخل بها على مدير السجن والذي بدوره فرح فرحاً شديداً بها ، كيف لا وهي وثائق العفو التي ستنقذ رقبة خالد.فعلاً إننا نعيش في عالمٍ من ورق نأتي إلى الدنيا بورقة وورقة قد تنقذ رقابنا وأخرى قد تقطعها وفي كل حال سنمضي من الدنيا وآخر عهدنا بها ورقة، استأذن أحمد من المدير بأن يقوم بنفسه بزف خبر العفو لأخيه فوافق على الفور وعلى الفور أمر أحد الحراس بمرافقته لزنزانة أخيه، أشار الحارس ناحية الزنزانة قائلاً:
هذه هي .. وقبل أن يتم "هي" توجه أحمد إليها راكضاً لينادي صارخاً:
خالد .. خاالد .. خاااالد .. خاااااالد
في هذه اللحظة وصل الحارس وقد أخرج من جيبه المفتاح ، وبجرأة غير متوقعة خطف أحمد المفتاح من يديه وفتح الزنزانة ، وأخذ يوقظ خالداً بنفضه بشدة .. ويناديه ليخبره بالخبر .. ولكن هيهات ..
فخالد قد مات.
...............................................................................................................فواز عبدالعزيز
...............................................................................................................22/05/2008
_________________
..
الكون كله لابد أن يعي أن الكتابة ليست مهنة من لا مهنة له ، أو بأنها أوانٍ فاخرة مصفصفة في متحف ورقة الكتابة التاريخ وتقريرٌ بالموت والحياة وبداية المهن ونهاية المحن ولوحات المتاحف وخشبة المسرح والديوان!
..