الرئيسيةالبوابةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ][ لُعبةُ الشَيطَانْ ][

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فواز عبدالعزيز
Admin


ذكر
عدد الرسائل: 31
العمر: 31
المكان: المملكة العربية السعودية / الخُـبـر
تاريخ التسجيل: 02/07/2007

مُساهمةموضوع: ][ لُعبةُ الشَيطَانْ ][   2009-07-26, 4:36 pm




دوى انفجار ضخم في المحطة المركزية للطاقة التابعة لموقع أنشأته شركة الأفق على أحد حقول النفط ، فقام ناصر من نومه فزعاً وفتح الباب التفت يمنةً ويسرة فرأى زملاءه يتراكضون في فوضى عجيبة كأنها لحظات زلزلال يهرب الناس منه إليه ! النيران أضاءت ليلهم كأنهم في وادٍ محاطٍ ببراكين ثارت فجأة ، ظن أنها القيامة رأى بعض الجثث هنا وهناك والناس في هلع عجيب وفي فوضى منها أعجب كانوا كنملٍ فاجأته قدم ..!

ترى ما هذه النيران وما الذي حصل ؟ (قال في نفسه) لكن ولأن الوضع لا يحتمل التخمين قام بالقبض بشدة وبأسلوب خاطف على معصم صديقه خالد والذي كان يركض فزعاً لا يلوي على شيء ليسأله:
"خالد وش صاير؟ وش اللي صار علمني ؟" (قالها صارخاً)
خالد: "هاه مدري انفجار انفجار!"
ناصر: "وين ؟ وشلون ؟"

هنا دفعه خالد دفعةً شديدة أسقطته أرضاً، واستكمل ركضه ، جالت بفكر ناصر أفكارٌ عديدة وهو يشاهد النيران الملتهبة تخيل أنه آخر أيامه ، تذكر ابنه ووالدته تذكر ديناً كان عليه ، تذكر وتذكر وتذكر ، كل هذا حدث في أقل من عشر ثوان قام من الأرض ولأنه قد فطن لفوضاهم بحث بعينيه عن أقصر قطر للنار التي تحيط المكان ليخترقها هارباً إلى أحد الكثبان البعيدة عن موقع الحدث ، ومن القمة نادى زملاءه بصرخات نذير لكن أحداً لم يسمعه ، لم يكن بطلاً سينيمائياً ليقرر خوض النيران من جديد ليخلص أصدقاءه من متاهة النار ليتزامن خروجه بآخر صديق مع انفجارٍ ينهي الموقع كليةً ، لذا فضل بعد دقائق من نداءاته التي لم تصل إلا إلى آذان قلةٍ من الزملاء أن يستسلم خائبا ، جاءت النجدة من شرط وإسعافٍ وسيارات إطفاء لكن بعد أن حولت النار العشرات إلى جثثٍ هامدة ساكنة خامدة لا حراك فيها، وبعد حوالي الساعة والنصف جاءت عشر حافلات تابعة للشركة لتقل الموظفين الذين لم يصبهم مكروه ، إلى أقرب منطقة سكنية واستأجرت في فنادق عدة غرفاً تكفيهم ، البعض كان يبكي والبعض كان يصلي أما ناصر فقد جلس على مقربة من نافذة يتأمل في اللاشيء ويراجع ذكرياته بعينين دامعتين وخصوصاً منظر صديقه سلطان الذي كان يصرخ من جوف النار قبل أن يسقط سقوطه الأبدي ويتفحم ، في الصباح حضر وزير النفط ومحافظ المنطقة ورئيس مجلس إدارة الشركة مع بعض أعيانها لموقع الحدث للمعاينة وأخذ الأقوال ومحاسبة المتسبب بهذه الكارثة ، في تلك الأثناء كان ناصر بغرفته يجري اتصالا على أهله ليطمئنهم على صحته ،ومن المضحك والمبكي والمقرف معاً بأن رجلاً مسناً من الجنسية الفلبينية كان يبكي وهو يقبل صورة كلبٍ كان يرعاه ، رمقه ناصر بحزن متجلٍ واشمئزاز مستتر ، شعر بأنه لو بقى بالغرفة أكثر لجنَّ غماً ، فقرر الخروج من دوامة البكاء واللغط ، ليتوجه إلى لوبي الفندق (فجأة) شعر بيد استقرت على كتفه ليلتفت ويرى صديقه خالد ، تعانقا وأخذا يجهشان بالبكاء بمشهدٍ يبكي الغمام رأفةً بهما ونقماً على نارٍ قد آذتهما توجها إلى اللوبي سويةً وجلسا على أول طاولةٍ صادفتهما ، أخذ ناصر ينظر بوجه خالدٍ بأسى والذي كان يضغط على جبينه بإصبعيه ، جاء النادل إليهما وبدأ يسرد بإنجليزية متقنة -دون أن يسألاه- أنواع القهوة ليقاطعه ناصر قائلاً ماء فقط ماءً..

خالد: شفت أخوي سلطان ؟
ناصر: شفت محمود وصالح وسلمان وراشد بالباص.
خالد: شفت أخوي سلطان ؟ (قالها بنبرةٍ أعلى)
ناصر: والفلبينيين اللي ساكنين جنبك واحد منهم معي بالغرفة.
خالد: شفت أخوي سلطان ؟ (قالها بعصبية)
ناصر: ايه شف
خالد: وينه .. وينه دورت عليه بكل مكان وينه !!؟

(في هذه اللحظات حين يأمل صديقك منك خبراً سعيداً يريد أن يجره جراً من لسانك ولا يعلم المسكين بأنك ستزف كارثة ، يتوقف الزمان وتدرك كم هي الدنيا حقيرة)

هنا نظر ناصر إلى السقف الشاهق برهة ، كأنه يريد أن يستخير السماء إن كان عليه اخباره بالحقيقة ولكن ولأنها من حقه فقد اختار عنها وبما أنه لا يعرف مدى ردة فعل صديقه ، أمسك يديه بشدة وقال: ادعيله بالرحمة .. سلطان من اللي ماتوا بالحادث.

هنا خيم الصمت ، وماتت الآمال وجفت العروق ، حتى أن يد خالد قد استرخت باستسلام وعينيه قد لمعت بالعبرات التي كأنه ادخرها لهكذا لحظات، لم يدرِ ناصر بالطريقة المثلى للتعامل في هكذا أمور فسكت واكتفى بمواساة صديقه بقسماته..كما أنه لم يشأ أن يذكر تفاصيل موت أخيه رحمةً به.

لمعت عيني خالد خلف الدموع ، وحدق بوجه ناصر قائلا:طيب شدراك انه مات علمني بالتفصيل شالسالفة يمكن انت غلطان.
(هذه اللحظات لا يشعر بها إلا من قد مر بها حقيقة ، نسعد كثيرا إن ألقينا طوق نجاة لغارق ما، لكن ولسخرية الأقدار فنحن أحياناً نضطر لسلب غارق آخر هذا الطوق )


كان بوسع ناصر أن يذكر تفاصيل ما رأى لكنه اكتفى بذكر مشاهدته لجثته ضمن الجثث.

في هذه اللحظة رن الهاتف المحمول الخاص بخالد ، نظر إلى الرقم فلم يشأ الرد بل رفع بصره ناحية ناصر والذي خمن بدوره بأن المتصل أحد ذويه لكنه لم يعرف بماذا ينصحه ، استمعا إلى رنين الهاتف ، رنة رنة وهما يحدقان ببعضهما بأسى..

خالد: هذي أمي..المسكينة أكيد أنها حست..
ناصر: رد عليها ، مهما كان هذي أم وبنفس الوقت على الأقل تطمن عليك أنت.
خالد: وشلون أرد عليها أمي تدري إني بخير ، البارح اتصلت عليها وعلمتها ، وسألتني عن سلطان ووعدتها إني أطمنها عليه، علمني وش أقول لها الحين..؟

لم يدرِ ناصر بأي صورة وبأي شكل من الممكن أن يتم نقل خبر وفاة ابن لوالدته ، لكنه كان متعاطفاً مع صاحبه للدرجة التي جعلته يستأذنه بالرد عليها ، والذي وافق دون تفكير وكأنه وجد أحداً يفتديه بالدخول بدلاً عنه في جحيم العاطفة.

بمجرد أن رد عليها وما إن سمعت صوتاً مغايراً لصوت خالد حتى بكت بحرقة وكأنها كانت قد خمنت السيناريو الذي سيتم من خلاله زف خبر ثلكها ، وحين وجد ناصر بان الأقدار قد تكفلت بتمهيد الخبر اكتفى بعبارة موجزة وصغيرة: عظم الله أجرك يا خالة بوفاة سلطان..ولأنه لن يتحمل سماع بكائها تردد قليلاً ثم أغلق الخط..

قرر ناصر أن يذهب إلى موقع الحدث لأخذ ما بقي من حاجياته من محفظة وملابس وأغراض (إن بقي منها شيء) ومراعاةً لنفسية خالد تذرع برغبته بالانصراف لغرفته وقد فعل ، ولكن لاقتراض مبلغ من المال يجعله يستقل سيارة أجرة تقله للموقع المنكوب ، خرج للشارع ولوح لسيارة أجرة كانت تسير ببطء وكأن قائدها قد خمن بأنه زبون ، ركب السيارة (وياللمفاجأة)

ما إن ركب حتى انهالت عليه صاعقة من السماء كان كمن صفع بكفٍ من حديد .. ماهذا
كان سلطان هو من يقود سيارة الأجرة !!!

ناصر: سلطان شتسوي هنا أنت ما مت ، أنا بنفسي شايفك تحترق بالنار !
؟؟؟: أنا مش سلطان أنا اسمي مصطفى سلطان مين يا عم !؟
ناصر: لا تجنني أنت سلطان ، اخوك خالد كان خايف عليك وبلغنا أمك انك..
؟؟؟: واللهي أنا مش سلطان ! سلطان مين ياسيدي ؟

هنا قام ناصر بالإمساك بتلابيب بدلته ونفضه بشدة وهو يردد (لا تكذب علي) مما جعل السيارة تنحرف يمنةً ويسرة قبل أن ترتطم وبشدة بإحدى السيارات المتوقفة فنزل منها ناصر كالمجنون وولّى هارباً ، بعد أن ترك السائق مغشياً عليه فيها، ركض مسافةَ طويلة بغير هدى ، إلى أن وجد سيارة أجرة صفراء قديمة يقودها شيخ كبير فاستوقفه ورجاه أن يأخذه إلى مقر عمله لكن ولأن الشيخ لا يعرف المقر طلب منه أن يدله ففعل ، وحين اقتربت السيارة من الموقع رأى عدداً كبيراً من السيارات فخمن أنهم صحفيون ومسؤولون ، دفع للشيخ أجرته ونزل ، لكنه فوجئ بأن السيارات كانت متوقفة عند مدينة ترفيهيةً ضخمة ، التفت يمنةً ويسرة ظن أنه قد أخطأ المكان لكنه شاهد ذات الكثيب الذي كان قد اعتلاه البارحة منادياً عرف الكثب من اطار ممزق كان بالقرب من قمته توجه مهرولاً لشباك التذاكر ، فرأى خالد يعيد باقي مبلغ تذكرة الدخول لأحد الأطفال..سأله متعجباً
ناصر: خالد شتسوي هنا ؟ ووين الشركة ؟؟
خالد: أنا توظفت هنا ، على الأقل مافي شي بينفجر ( وقهقه ضاحكاً )

تعجب ناصر من ردة فعله ، فقام خالد وكأنه قرأ بوجه صاحبه تعابير العجب ، وخرج من المقصورة ليدعوه للدخول إلى المدينة الترفيهية للعب وللترويح عن النفس ، فلم يتمالك ناصر نفسه حيال البرود الذي قابله به صاحبه فسدد لكمةً شديدة على وجهه سقط على إثرها أرضاً ، ودخل مدينة الألعاب وكأن شيئاً لم يكن حتى أن قاطع التذاكر لم يسأله عن التذكره بل حياه وفتح الباب هكذا وكأنه صاحب تلك المدينة ، وما إن دخل حتى وجد حبيبته التي كان يود الزواج منها عاريةً تناديه من خلف إحدى الأشجار بغنج ، ذهب إليها مسرعاً لم يكلمها ولم تكلمه بل همَّ بتقبيلها مباشرة إلا أنها عضت شفتيه بقسوة ومن المثير للعجب أن عضتها كانت شديدةً للدرجة التي جعلته يستفيق من النوم ، منهيةً الحلم أو بالأحرى لعبة الشيطان !













فواز عبدالعزيز
16-07-2009

_________________
..
الكون كله لابد أن يعي أن الكتابة ليست مهنة من لا مهنة له ، أو بأنها أوانٍ فاخرة مصفصفة في متحف ورقة الكتابة التاريخ وتقريرٌ بالموت والحياة وبداية المهن ونهاية المحن ولوحات المتاحف وخشبة المسرح والديوان!
..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://fawaz.iowoi.org
 

][ لُعبةُ الشَيطَانْ ][

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
فواز عبدالعزيز (عازف القلم) :: قـــــــصـصـي الـقــصــيـرة-